أتعاب المحاماة وكيفية تقديرها

تمثل أتعاب المحاماة أكثر موضوعات المهنة إثارة للجدل، إذ تلتقي فيها غايتان: حق المحامي في مقابل عادل عن جهده وعلمه وخبرته، وحرص المنظم على صون كرامة المهنة ومنع استغلال حاجة المتقاضين. وتتقاطع فيها قواعد نظام المحاماة ولائحته التنفيذية مع القواعد العامة في نظام الالتزامات والعقود، وتتصل بأحكام الوكالة والإجارة على العمل في الفقه الإسلامي.

ويسير البحث وفق الخطة الآتية: تمهيد يعرض لمحة تاريخية موجزة عن تطور الأتعاب، يليه مبحث تمهيدي يتناول ماهيتها وطبيعتها القانونية، فمبحث أول يعالج الأسس والمعايير الاتفاقية لتقديرها، فمبحث ثانٍ يبحث فلسفة تسعير الخدمات القانونية ونماذجها.

تمهيد: لمحة تاريخية عن أتعاب المحاماة

رافق السؤال عن مشروعية أجر المحامي الحضارات القانونية الكبرى منذ القدم. فقد حظر التشريع الروماني Lex Cincia عام 204 قبل الميلاد على المحامين قبول أي أجر نظير الترافع، عدّاً لنصرة الحق واجب شرف لا مهنة، ثم أسقط الواقع هذا الحظر فاستقر التشريع الروماني المتأخر على جواز الأجر المنضبط بسقف. وسارت إنجلترا على النهج ذاته، فعدّت أتعاب المحامي المرافع Barrister هبة تكريمية Honorarium لا يجوز التقاضي لاستردادها، ولم يلغِ المشرع هذه القاعدة إلا في أواخر القرن العشرين.

وسلكت الولايات المتحدة مسلكاً مغايراً منذ منتصف القرن التاسع عشر، فانتشر فيها نموذج الأتعاب المشروطة بالنتيجة Contingency Fee أداةً تفتح أبواب التقاضي أمام المعسر، بينما ظلت فرنسا ومدونة السلوك المهني الأوروبية تحظران pactum de quota litis صوناً لاستقلال المحامي وحياده. وأجاز جمهور الفقهاء أخذ الأجرة على الوكالة في الخصومة متى كان الأجر معلوماً خالياً من الغرر. وتنتهي هذه التجارب إلى مبدأ واحد: الأجر مشروع ما دام متناسباً مع الجهد، والخطر في انفلاته عن ضابط التناسب، وهو المسلك الذي سلكه النظام السعودي حين جعل حرية الاتفاق أصلاً وأخضعها لرقابة لاحقة.

المبحث التمهيدي: ماهية أتعاب المحاماة وطبيعتها القانونية

نقف في هذا المبحث على ماهية الأتعاب لغةً واصطلاحاً، وعلى طبيعة الرابطة بين المحامي وموكله، ثم نميزها عما يقاربها من مفاهيم.

المطلب الأول: تعريف أتعاب المحاماة لغة واصطلاحاً

الأتعاب في اللغة جمع تَعَب، مصدر الفعل تَعِبَ بمعنى كدَّ ونصِب، ومنه سُمّي المقابل المادي عن العمل أتعاباً، فهو في أصله اللغوي أقرب إلى الأجرة منه إلى الهبة. وعرّفها الفقهاء في إطار الإجارة على الأعمال والجعالة بأنها العوض المتفق عليه أو المقدَّر شرعاً نظير عمل معلوم، بشرط أن يكون العوض معلوماً والعمل مباحاً مقدوراً على تسليمه.

ويمكن تعريفها نظاماً بأنها المقابل المادي الذي يستحقه المحامي المرخص له نظير ما يبذله من جهد وخبرة في الاستشارة أو الترافع أو أي عمل يدخل في نطاق المهنة، سواء حدده الطرفان باتفاقهما أو قدرته الجهة المختصة عند غياب الاتفاق أو بطلانه؛ وهو تعريف يستقرئه الباحث من نصوص نظام المحاماة السعودي.

المطلب الثاني: الطبيعة التعاقدية بين المحامي والموكل

يختلف الفقه في تكييف العلاقة بين المحامي وموكله: فذهب اتجاه إلى أنها وكالة صرفة، لأن المحامي ينوب عن موكله ويتصرف باسمه ولحسابه، ويرد عليه أن الوكالة عقد تبرعي غير لازم بينما تقوم الأتعاب على المعاوضة وتلزم ذمة الموكل. وذهب اتجاه آخر إلى أنها إجارة على عمل، وهو تكييف يقارب واقع الأتعاب لكنه يغفل الجانب النيابي في عمل المحامي.

ويرجح غالب الفقه المعاصر والقضاء أنها عقد ذو طبيعة مركبة: وكالة من حيث التمثيل أمام القضاء تسري عليها أحكام النيابة والانقضاء بالعزل أو الاعتزال أو الوفاة، ومعاوضة من حيث الأتعاب تشبه الإجارة في لزوم الأجر وتحديده. وتفسر هذه الازدواجية إفراد المنظم السعودي أحكاماً خاصة لعلاقة المحامي بموكله في نظام المحاماة ولائحته التنفيذية.

المطلب الثالث: تمييز الأتعاب عما يشبهها من مصاريف

يختلط مفهوم الأتعاب بمفاهيم مقاربة، وتمييزها على النحو الآتي:

أولاً: الرسوم القضائية: تستوفيها الدولة لمصلحة خزينتها نظير إجراء قضائي كقيد الدعوى، وتستحق بصرف النظر عن وجود محامٍ، بينما يستحق المحامي وحده الأتعاب نظير جهده الشخصي.

ثانياً: المصاريف والنفقات: تكاليف فعلية يقتضيها سير الدعوى كأتعاب الخبرة والترجمة ورسوم الانتقال والتوثيق، وهي مستقلة عن الأتعاب وإن جرى العرف على إدراجها في الاتفاق المالي الإجمالي.

ثالثاً: العمولة: يستحقها الوسيط أو الوكيل التجاري نظير إتمام صفقة، وتقوم على نسبة من قيمتها دون ارتباط بجهد فكري متخصص، بخلاف الأتعاب المرتبطة بصفة المحامي المرخص له وبالعمل الذي تحتكره المهنة.

رابعاً: أتعاب الخبرة: يستحقها الخبير المنتدب بصفته معاوناً للقضاء في مسألة فنية، ويقدرها قرار ندبه أو المحكمة، وهي مستقلة عن أتعاب المحامي وإن دخلتا معاً في مصاريف التقاضي بمعناها الواسع.

المبحث الأول: الأسس والمعايير الاتفاقية لتقدير أتعاب المحامي

ينتقل البحث إلى الأساس الذي يقوم عليه تحديد مقدار الأتعاب، وهو أساس اتفاقي تحكمه إرادة الطرفين، غير أنها إرادة مقيدة بشروط صحة وقيود نظامية ومهنية.

المطلب الأول: الاتفاق الحر  بين المحامي والموكل وصوره

قرر المنظم أن يحدد المحامي وموكله الأتعاب وطريقة دفعها باتفاق بينهما إعمالاً لمبدأ سلطان الإرادة، ولا يتدخل إلا استثناءً عند غياب الاتفاق أو فساده أو الاختلاف حوله، فيقدرها حينئذ مجلس الهيئة السعودية للمحامين أو الخبير المنتدب من المحكمة بما يتناسب مع الجهد المبذول والنفع العائد على الموكل. وأبرز صور الاتفاق في الممارسة العملية:

1- المبلغ المقطوع (السعر الثابت): مبلغ إجمالي محدد سلفاً نظير عمل معين أو قضية بعينها بصرف النظر عن الوقت المستغرق، ويتميز بالوضوح وقابلية التنبؤ، ويلائم الأعمال محددة النطاق كصياغة عقد أو تقديم استشارة.

2- النسبة المئوية من محل النزاع أو المبلغ المحكوم به: تعرف بأتعاب النجاح أو الأتعاب المشروطة بالنتيجة، وتشيع في دعاوى التعويض والقضايا التجارية والعمالية، إذ تخفف العبء المالي عن الموكل مقدماً وتربط مصلحة المحامي بمصلحته في تحقيق النتيجة.

3- الأجر بالساعة: يحتسب على أساس الساعات الفعلية التي يبذلها المحامي، ويلائم الأعمال غير محددة النطاق كالاستشارات المستمرة والمهام البحثية، ويستوجب مسك سجلات دقيقة للوقت ضماناً للشفافية.

4- الاشتراك الدوري: مبلغ ثابت شهري أو سنوي يسدده الموكل نظير التزام المحامي أو مكتبه بتقديم الخدمات القانونية اللازمة خلال المدة، ويناسب العملاء ذوي الاحتياج القانوني المستمر.

المطلب الثاني: شروط صحة الاتفاق

اشترط المنظم واللائحة التنفيذية لصحة الاتفاق ونفاذه شروطاً شكلية وموضوعية، أهمها:

أولاً: الكتابة: أوجبت المادة (26) من نظام المحاماة إثبات الاتفاق كتابةً، وأوجبت اللائحة أن يتضمن مقدار الأتعاب وطريقة سدادها ونوع القضية ومكان نظرها، وأن يحتفظ كل طرف بنسخة أصلية موقعة. والكتابة شرط إثبات لا شرط انعقاد، غير أن غياب الاتفاق المكتوب يشكل سبباً كافياً لإحالة التقدير إلى مجلس الهيئة.

ثانياً: التوثيق والتسجيل: منح العقد الموحد لأتعاب المحاماة الاتفاقَ صفة السند القابل للتنفيذ متى استوفى بياناته، وتستلزم بعض الصور تسجيلاً لدى الهيئة خلال مدة محددة، وإلا تعرض المحامي للمساءلة التأديبية وفقد الاتفاق حجيته عند التنازع.

ثالثاً: الرضا الحر: يجب أن يصدر رضا الموكل عن إرادة لا يشوبها غلط جوهري أو تدليس أو استغلال لحاجته إلى التقاضي، فيوضح المحامي قبل التوقيع كل عنصر يؤثر في تقدير الأتعاب صوناً لمبدأ حسن النية.

رابعاً: تحديد المحل تحديداً نافياً للجهالة: يجب أن يعلم الطرفان نوع القضية ونطاق العمل ومكان نظره، إذ تفضي الجهالة الفاحشة إلى بطلان الاتفاق، فيصار عندئذ إلى التقدير القضائي أو تقدير مجلس الهيئة.

خامساً: الأهلية والصفة: يشترط أن يكون المحامي مرخصاً له نظاماً ومقيداً في جدول المحامين الممارسين وقت الاتفاق ومباشرة العمل، وأن يكون الموكل أو من ينوب عنه كامل الأهلية أو ممثلاً تمثيلاً صحيحاً.

المطلب الثالث: القيود النظامية والمهنية على حرية الاتفاق

ترد على حرية الطرفين قيود تحمي الموكل وتصون نزاهة المهنة، أبرزها:

أولاً: الرقابة اللاحقة لمجلس الهيئة: لم يضع النظام سقفاً مطلقاً للأتعاب، لكنه خول المجلس تعديلها متى تجاوزت الحد المتناسب مع الجهد المبذول والنفع العائد على الموكل، فالحرية الاتفاقية مقيدة بمعيار التناسب لا بسقف رقمي جامد.

ثانياً: حظر الصور المخالفة للنظام العام وآداب المهنة: كالاتفاق الذي يجعل الأتعاب حصة عينية من محل النزاع، فيصير المحامي خصماً فعلياً لا وكيلاً، ويثير شبهة تعارض المصالح، وقد يصطدم بضوابط الغرر وبيع ما لا يملكه العاقد وقت التعاقد.

ثالثاً: التقادم المسقط: تسقط المطالبة بالأتعاب بمضي خمس سنوات من تاريخ انتهاء مهمة المحامي، استقراراً للمراكز القانونية ومنعاً لبقاء المطالبات معلقة.

رابعاً: تدخل القضاء والخبرة: إذا انعدم الاتفاق أو بطل أو اختلف عليه الطرفان، انتقل التقدير إلى مجلس الهيئة أو إلى خبير تندبه المحكمة، ويراعى فيه معياران: مقدار الجهد الذي بذله المحامي، ومقدار النفع الذي عاد على الموكل.

خامساً: التعويض القضائي: ألزم القضاء التجاري السعودي في بعض أحكامه المدين المماطل الذي أنكر الحق دون مبرر بتحمل نسبة من أتعاب المحاماة التي تكبدها الدائن، استناداً إلى أن الضرر موجب للضمان، فتحولت الأتعاب من التزام تعاقدي إلى عنصر من عناصر الضرر القابل للتعويض.

المبحث الثاني: فلسفة تسعير الخدمات القانونية

يتجه هذا المبحث إلى سؤال أعمق: لماذا يستحق عمل بعينه ثمناً بعينه؟ وما الذي يجعل أجراً عادلاً وآخر إجحافاً؟ فتسعير الخدمة القانونية موقف من طبيعة العمل ذاته: أهو سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، أم أمانة يأباها منطق السوق الخالص؟

المطلب الأول: نماذج الأتعاب بين العدالة التبادلية والشراكة في المخاطرة

يقوم وراء كل نموذج تسعيري تصور لطبيعة العلاقة بين الجهد والمقابل. فالسعر المقطوع يستحضر فلسفة العدالة التبادلية الأرسطية التي ترى التعادل الموضوعي بين الأداء والمقابل جوهر العدل في المعاوضات، ويريح الطرفين من غموض المستقبل، لكنه يحمل المحامي وحده مخاطرة الخطأ في تقدير حجم الجهد.

أما الأجر بالساعة فيقوم على عد الوقت مقياساً موضوعياً للجهد، فالمحامي يبيع وقتاً وخبرة لا نتيجة، ويحقق شفافية عالية، غير أنه يحمل إغراءً بإطالة أمد العمل يستوجب انضباطاً ذاتياً يستمده المحامي من قيم المهنة. وأما النسبة المئوية فتبتعد عن التعادل الموضوعي المسبق وتقترب من الشراكة في المخاطرة، إذ يتقاسم المحامي مع موكله احتمالات الربح والخسارة، فتنصف ما دامت في حدود التناسب، وتتحول إلى استغلال حين تنفلت منه.

ويقوم الاشتراك الدوري على منطق التأمين لا المقايضة: فالموكل يشتري الجاهزية واليقظة القانونية الدائمة لا عملاً محدداً ولا نتيجة معينة، ولذلك يستحق الاشتراك ولو لم يستنفد الخدمات المتاحة له، لأن محل العقد الإتاحة لا الاستنفاد.

المطلب الثاني: حقائق التسعير للخدمات القانونية

لا يكفي اختيار النموذج ليكون السعر عادلاً، فالنموذج وعاء شكلي، ويبقى السؤال: ما الذي يجعل رقماً بعينه سعراً عادلاً لا استغلالاً مقنعاً؟ والجواب في ثلاث حقائق: كثافة الخبرة، وعبء المخاطرة، وتكلفة الزمن.

فقيمة العمل القانوني ليست دالة لعدد الساعات، بل لكثافة الخبرة الكامنة فيها؛ فالمحامي الذي يحل مسألة معقدة في ساعة واحدة بفضل عقود من التراكم المعرفي لا يقل جهده قيمة عن زميله الذي يستغرق يوماً كاملاً في المسألة ذاتها، فالتكلفة الحقيقية خبرة متراكمة غير منظورة لا وقت منظور فحسب.

وحين يتحمل المحامي احتمال ألا يحصل على مقابل إن خسر القضية، تغدو مقارنة أجره بأجر زميل يتقاضى مبلغاً مضموناً مقارنة مجحفة، إذ يتضمن المقابل العادل علاوة مخاطرة تعوضه عن القضايا التي خسرها ولم يتقاضَ عنها شيئاً. وكذلك الزمن: فالمهلة الضيقة تفرض عليه تعطيل أعمال أخرى وحالة تأهب ذهني مكلفة، فارتفاع الأجر في الأعمال المستعجلة تعويض عن تكلفة الفرصة البديلة لا ابتزاز لحاجة الموكل.

وخلاصة القول أن التسعير العادل ممارسة تأملية يوازن فيها المحامي بين حقه المشروع في عائد يكافئ خبرته ومخاطرته ووقته، وواجبه المهني في ألا يستغل حاجة موكله أو جهله بحقيقة العمل؛ فالعمل البسيط منخفض المخاطرة لا يسوغ فيه أجر مرتفع لمجرد قدرة الموكل على الدفع، وهنا يتجلى الفارق بين التسعير القائم على القيمة الحقيقية والتسعير القائم على استغلال الجهل أو الحاجة، وهو الفارق الذي ضبطه المنظم والقضاء بمعياري تناسب الأتعاب مع الجهد المبذول والنفع المتحقق.