المسؤولية القانونية لناظر الوقف

يحتل ناظر الوقف موقعًا محوريًا في حماية الوقف وتنميته وتحقيق مقاصده، لأنه الجهة التي تتولى مباشرة شؤون الوقف والتصرف فيما يحقق الغبطة والمصلحة لعينه وإيراده. وقد عرّف نظام الهيئة العامة للأوقاف النظارة بأنها إجراء التصرفات التي تحقق المصلحة للوقف من حفظه، وإيجاره، وتنميته، وإصلاحه، والمخاصمة فيه، وصرف غلته وفقًا لشرط الواقف. ومن هنا فإن مسؤولية الناظر ليست شكلية، بل هي مسؤولية قانونية مباشرة ترتبط بحفظ المال الوقفي، وصيانة غلته، والالتزام بشروط الواقف والأنظمة النافذة. وتبدأ هذه المسؤولية من أصل وظيفة الناظر نفسها؛ فالناظر ليس مالكًا للوقف، وإنما قائم على إدارته وتحقيق الغرض الذي أنشئ من أجله. ويؤكد نظام المعاملات المدنية أن الوقف يتمتع بشخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة، بموجب المادتين السابعة عشرة والثامنة عشرة، وهو ما يعني أن أموال الوقف ليست أموالًا خاصة بالناظر، ولا يجوز له خلطها بمصالحه أو التصرف فيها لمنافعه الشخصية. لذلك فإن أول واجبات الناظر هو الفصل التام بين مصلحته الخاصة ومصلحة الوقف.

وتتجلى المسؤولية القانونية لناظر الوقف في عدة صور رئيسة.

أولًا: المسؤولية عن مخالفة شرط الواقف. نظام الهيئة العامة للأوقاف يجعل شرط الواقف محور العمل الوقفي؛ فالنظارة تمارس وفقًا لشرطه، كما أن الهيئة نفسها تلتزم في تصرفاتها واستثماراتها بشروط الواقفين بموجب المادة الثالثة والعشرين. وعليه، فإذا صرف الناظر ريع الوقف في غير المصارف المحددة، أو عطّل شرطًا صحيحًا للواقف، أو بدّل طريقة الانتفاع بالوقف دون مسوغ معتبر، فإنه يكون قد أخل بأصل التزامه النظامي.
ثانيًا: المسؤولية عن الإهمال وسوء الإدارة. الناظر ملتزم بحفظ الوقف وتنميته، لا بمجرد الإمساك الشكلي به. فإذا أهمل صيانة العقار الوقفي حتى تدهورت قيمته، أو ترك تحصيل الأجرة دون متابعة، أو فوّت فرصًا لازمة لحماية أصل الوقف، فقد تقوم مسؤوليته. ويستفاد من نظام المعاملات المدنية أن من يلتزم بالإدارة أو المحافظة على الشيء يفي بالتزامه إذا بذل عناية الشخص المعتاد، وفقًا للمادة الثامنة والستين بعد المائة. كما أن كل خطأ سبب ضررًا للغير يوجب التعويض بموجب المادة العشرين بعد المائة. وهذا يعني أن معيار مساءلة الناظر هو: هل بذل عناية الناظر المعتاد الحريص على مصلحة الوقف أم لا؟

ثالثًا: المسؤولية عن التعدي أو الاستفادة الشخصية من الوقف. من أخطر صور المسؤولية أن يستغل الناظر موقعه لتحقيق منفعة لنفسه أو لغيره على حساب الوقف، كأن يؤجر العين الوقفية بثمن غير عادل لمصلحة قريب، أو يشتري من أموال الوقف أو يبيع لها بطريقة تنطوي على محاباة أو تعارض مصالح. والنص الصريح في المادة الرابعة والعشرين من نظام الهيئة العامة للأوقاف يقرر بطلان التصرف إذا كان لمن له علاقة بإدارة أعمال الهيئة مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في مشروع أو اتفاق متعلق بأموال الأوقاف التي تكون الهيئة ناظرة عليها أو مديرة لها. ورغم أن هذا النص ورد على من له علاقة بإدارة أعمال الهيئة، إلا أن دلالته التنظيمية تؤكد مبدأ عامًّا في الحوكمة الوقفية، وهو منع تضارب المصالح والانتفاع الشخصي من المال الوقفي.

رابعًا: المسؤولية عن عدم الإفصاح والمحاسبة. منح النظام الهيئة العامة للأوقاف دورًا رقابيًا على أعمال النظار، ومن ذلك الاطلاع على التقارير المحاسبية السنوية، وحضور اجتماعات مناقشة التقرير المالي السنوي، وطلب تغيير المراجع الخارجي، وذلك وفق المادة الخامسة من نظام الهيئة العامة للأوقاف. وهذا يكشف أن الناظر ملتزم عمليًّا بالشفافية، وإعداد الحسابات، وتمكين الجهة الرقابية من الاطلاع على المركز المالي للوقف. كما أن القواعد العامة في نظام المعاملات المدنية توجب على من يتولى عملًا لحساب غيره أن يزوده بالمعلومات اللازمة وأن يقدم حسابًا عن عمله، وهو ما يظهر مثلًا في أحكام الوكالة بالمادة السابعة والتسعين بعد الأربعمائة. والاستناد هنا هو استئناس بالقواعد العامة عند غياب نص تفصيلي خاص.

خامسًا: المسؤولية عن الأضرار المالية التي تصيب الوقف أو المستحقين. إذا تسبب الناظر بخطئه في ضياع مال وقفي، أو نقص ريع مستحق، أو إلحاق ضرر بالمستفيدين، فإن المسؤولية المدنية تقوم متى ثبت الخطأ والضرر وعلاقة السببية. وبموجب المادة السادسة والثلاثين بعد المائة من نظام المعاملات المدنية يكون التعويض بما يجبر الضرر كاملًا، ويشمل ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب وفق المادة السابعة والثلاثين بعد المائة. لذلك قد يُلزم الناظر بالتعويض عن النقص الفعلي في أموال الوقف، أو عن الريع الذي كان يمكن تحصيله لو أدار الوقف بعناية معتادة.
سادسًا: المسؤولية التي قد تنتهي بالعزل. منح نظام الهيئة العامة للأوقاف الهيئة حق تحريك الدعوى أمام القضاء لعزل الناظر الذي يُخفق في تحقيق أهداف الوقف، أو يفقد شرطًا من شروط النظارة، وذلك بنص الفقرة (و) من البند (5) من المادة الخامسة. وهذه من أهم صور المسؤولية؛ لأن النظام لا يكتفي بالتنبيه أو الملاحظة، بل يجيز اللجوء إلى القضاء لإنهاء ولاية الناظر متى ثبت تقصيره الجسيم أو عدم أهليته للاستمرار. ومن الناحية العملية، لا تُفهم مسؤولية الناظر على أنها مسؤولية مطلقة عن كل خسارة تصيب الوقف. فليس كل انخفاض في العائد أو كل تعثر استثماري يؤدي تلقائيًا إلى مسؤوليته. الأصل أن الناظر يُسأل إذا ثبت منه تعدٍّ أو تقصير أو مخالفة لشرط الواقف أو خروج عن مقتضى العناية المعتادة. أما إذا تصرف وفق دراسات معقولة، وبذل عناية مناسبة، ووقع الضرر بسبب لا يد له فيه، فهنا تضعف مسؤوليته، انسجامًا مع القواعد العامة التي ترفع المسؤولية عند انتفاء الخطأ أو قيام السبب الأجنبي.
ومن المسائل المهمة أيضًا مدة المطالبة. فدعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار لا تُسمع -بحسب المادة الثالثة والأربعين بعد المائة من نظام المعاملات المدنية- بعد ثلاث سنوات من تاريخ علم المتضرر بالضرر وبالمسؤول عنه، وفي جميع الأحوال بعد عشر سنوات من وقوع الضرر. كما نصت المادة السادسة والتسعون بعد المائتين على أن الدعوى بريع واجب على ناظر الوقف أداؤه للمستحق لا تُسمع بشأنه إلا بانقضاء عشر سنوات، وهو نص بالغ الأهمية في المنازعات المتعلقة بمستحقات الوقف وغلته.

وخلاصة الأمر أن ناظر الوقف في السعودية مؤتمن على مال ذي صفة خاصة، ومسؤوليته تدور حول أربعة أصول: الالتزام بشرط الواقف، حفظ أصل الوقف، تنمية ريعه، والابتعاد عن كل تعارض مصالح أو تقصير في المحاسبة. فإذا انحرف عن هذه الأصول تعرض للمساءلة الرقابية، ثم القضائية، وقد تنتهي مسؤوليته إلى التعويض أو العزل أو بطلان بعض التصرفات بحسب نوع المخالفة وآثارها. ولذلك فإن الناظر الكفء ليس من يكتفي بإدارة الوقف يوميًا، بل من يوثق قراراته، ويحفظ حساباته، ويفصل بين مصلحته ومصلحة الوقف، ويراعي شرط الواقف في كل تصرف، لأن هذه هي الضمانات العملية التي تحميه وتحمي الوقف في آن واحد.