التعسف في استعمال الحق في نظام المعاملات المدنية

من استعمل حقه فلا لوم عليه، هذه قاعدة يتفق عليها الناس بفطرتهم، فمن بنى في أرضه أو باع ماله أو طالب بدينه إنما يمارس ما يملكه. غير أن التجربة تثبت أن الحق قد يُستعمل لا لينتفع به صاحبه، وإنما ليؤذي به غيره، فيتحول من وسيلة لتحقيق المصلحة إلى أداة للضرر. ولهذا عالج نظام المعاملات المدنية المسألة في الفصل الخامس من الباب التمهيدي، في مادتين قصيرتين تتفرع عنهما أحكام كثيرة في بقية النظام.

تقرر المادة (28) الأصل، وهو أن من استعمل حقه استعمالًا مشروعًا لا يكون مسؤولًا عما ينشأ عن ذلك من ضرر. فليس كل ضرر يصيب الغير موجبًا للتعويض، إذ إن المنافسة التجارية المشروعة تضر بالتاجر الأضعف، والمطالبة القضائية الصحيحة تضر بالمدين، ومع ذلك لا يُسأل صاحب الحق في هذه الأحوال. أما المادة (29) فتضع القيد، فتنص على أنه لا يجوز التعسف في استعمال الحق، ثم تحدد ثلاث حالات يكون فيها الاستعمال تعسفيًا.

الحالة الأولى أن لا يقصد صاحب الحق بالاستعمال سوى الإضرار بالغير. وهذه أوضح صور التعسف، لأن الباعث فيها مجرد الإيذاء. ومثالها من يقيم في أرضه جدارًا مرتفعًا لا حاجة له به ليحجب الضوء عن بيت جاره نكاية به. فالمالك هنا يستعمل حقه في البناء، ولكنه لا يريد منفعة لنفسه. والحالة الثانية أن تكون المنفعة المرجوة من الاستعمال غير متناسبة مطلقًا مع الضرر الذي يلحق بالغير، وهنا لا يُشترط إثبات قصد الإضرار، بل يُنظر إلى الميزان بين ما يجنيه صاحب الحق وما يتحمله غيره. والحالة الثالثة أن يستعمل الحق في غير ما شُرع له، أو لغاية غير مشروعة، كمن يستعمل حقه في الدعوى للابتزاز أو لتعطيل خصمه لا لإثبات حق.

ويلاحظ أن النص جعل كلمة (مطلقًا) قيدًا في الحالة الثانية، فلا يكفي أن تقل المنفعة عن الضرر قليلًا، بل لا بد أن يبلغ التفاوت حدًا فاحشًا. وبهذا يحمي النظام صاحب الحق من أن تُقيَّد تصرفاته لمجرد وجود ضرر يسير، ويحمي الغير في الوقت نفسه من الضرر الفادح الذي لا مقابل له. وهذا الحد يختلف بحسب كل حالة، ومرده في النهاية إلى تقدير المحكمة.

ولم تحدد المادة (29) جزاءً بعينه على التعسف، فيرجع في ذلك إلى القواعد العامة. فمن تعسف في استعمال حقه وأضر بغيره فقد وقع منه خطأ يلزمه بالتعويض بحسب المادة (120)، وللمحكمة بحسب المادة (139) أن تحكم بإعادة الحال إلى ما كانت عليه أو بأمر معين متصل بالفعل الضار. وبهذا يمكن للمتضرر أن يطلب وقف التعسف وإزالته، لا مجرد المال. أما مدة سماع دعوى التعويض فقد حددتها المادة (143) بثلاث سنوات من علم المتضرر بوقوع الضرر وبالمسؤول عنه، وعشر سنوات في جميع الأحوال من وقوع الضرر.

وتظهر ثمار هذه القاعدة في أحكام الجوار خاصة. فالمادة (613) توجب على المالك ألا يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار، ثم تفصل، فتقرر أن ليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها، وإنما له أن يطلب إزالة المضار إذا تجاوزت الحد المألوف. ويراعى في ذلك العرف وطبيعة العقارات وموقع كل منها بالنسبة إلى الآخر والغرض الذي خُصصت له. فالضجيج المعتاد في حي سكني تجاري لا يقاس بالضجيج نفسه في حي هادئ، والدخان الذي يتحمله الناس بجوار مصنع قد لا يتحملونه بجوار مدرسة.

ومن أهم ما في المادة (613) عمليًا أنها نصت على أن الترخيص الصادر من الجهات المختصة لا يحول دون استعمال الجار حقه في المطالبة بإزالة هذه المضار. أي أن حصول صاحب النشاط على ترخيص نظامي لا يجعله في مأمن من دعوى الجار، فالترخيص يعالج علاقته بالجهة الإدارية ولا يعالج علاقته بجاره. وهذا يدل على أن النظام يعد الضرر الذي يجاوز المألوف معيارًا مستقلًا عن الإذن الإداري.

ومن صور التطبيق أيضًا ما قررته المادة (616) من أن مالك الحائط ليس له أن يهدمه إن كان الهدم يضر بالجار الذي يستتر ملكه بالحائط، إلا إذا كان هناك سبب معتبر للهدم. فاستثناء السبب المعتبر دليل على أن القيد ليس مطلقًا، وأن المالك لا يُمنع من هدم حائطه إذا كان آيلًا للسقوط أو احتاج إلى إعادة بنائه. وكذلك المادة (710) التي لا تجيز إجراء مسيل ضار في ملك الغير أو في طريق عام أو خاص، وتوجب إزالة الضرر ولو كان قديمًا.

ولا يقتصر المبدأ على الملكية. فالمادة (135) تقيد استعمال الحق في المنافع العامة بسلامة الغير، فمن استعمل حقه في منفعة عامة وأضر بالغير ضررًا يمكن التحرز منه كان مسؤولًا عنه. وفي العقود يظهر المبدأ نفسه في صور أخرى، كالمادة (96) التي تجيز للمحكمة أن تعدل الشروط التعسفية في عقود الإذعان أو تعفي الطرف المذعن منها. غير أنه ينبغي التمييز بين التعسف في استعمال الحق الذي هو موضوع المادة (29)، والشرط التعسفي في العقد الذي هو موضوع المادة (96)، فالأول يتعلق بكيفية استعمال الحق، والثاني بمضمون الاتفاق نفسه.

وفي القواعد الكلية التي أوردها النظام في المادة (720) ما يعين على فهم هذا المبدأ، ومنها «الضرر يزال» و«الضرر لا يزال بمثله». فالتعسف يُمنع لأنه ضرر، ولكن إزالته لا تكون بإلحاق ضرر مماثل بصاحب الحق. ولهذا لم يجعل النظام كل ضرر موجبًا لتقييد الحق، بل اشترط أحوالًا معينة يتبين فيها أن الحق يُستعمل خارج وظيفته، وفي ذلك محافظة على التوازن بين حرية صاحب الحق وسلامة الغير.

وبعد، فإن التعسف في استعمال الحق ليس قيدًا على الحق بقدر ما هو بيان لحقيقته، فالحق في النظام يمنح لغاية، ومن انحرف به عن غايته فقد خرج به عن حدوده. وقد نجح النظام في أن يجعل القاعدة مرنة تتسع لصور من الاستعمال لا يمكن حصرها، وفي الوقت نفسه محددة بمعايير ثلاثة تحد من التوسع في تقييد الحقوق، ويبقى للمحكمة أن تطبقها على وقائع كل دعوى.