القصد الجنائي في جرائم الترويج: التوسع في التفسير وأدوات الإثبات الحديثة

تُعدّ جرائم المخدرات من أخطر الجرائم التي تهدد سلامة المجتمع وأمنه، ويوليها المشرع والقضاء أهمية قصوى. تتركز جريمة الترويج بشكل أساسي على القصد الجنائي، أي النية المتجهة لدى الجاني إلى نشر المواد المخدرة وعرضها للبيع أو التوزيع. ولكن، مع تطور وسائل الاتصال وظهور التكنولوجيا، شهد القضاء توسعاً ملحوظاً في تفسير هذا القصد الجنائي ليشمل صوراً لم تكن موجودة في السابق.

 

  1. مفهوم القصد الجنائي في الترويج

 

القصد الجنائي (الركن المعنوي) في جريمة الترويج للمخدرات يتكون من عنصرين أساسيين:

  • العلم: أن يكون المتهم عالماً بأن الفعل الذي يقوم به (كالنقل، الاستلام، الحيازة، البيع) يتعلق بمادة مخدرة أو مؤثر عقلي محظور نظاماً.
  • الإرادة: أن تتجه إرادته لتحقيق النتيجة الجرمية، وهي تداول أو ترويج هذه المادة المخدرة بأي صورة كانت (بيع، شراء، إهداء، مقايضة، تسهيل تعاطي).

 

  1. دوافع التوسع في التفسير

شهدت المحاكم توسعاً في تفسير القصد الجنائي نتيجة لعوامل متعددة، أبرزها:

  • تطور وسائل الترويج الرقمية: أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات المشفرة هي البيئة الخصبة الجديدة للترويج. هنا، لا يتم البيع بشكل مباشر، بل عبر عرض المادة، أو الإعلان عن توفيرها، أو التوسط لإتمام الصفقة.
  • الحاجة لمكافحة الظاهرة: خطورة المخدرات دفعت القضاء إلى تبني تفسير واسع للنصوص القانونية، يسمح بمعاقبة الأفعال التي تُساهم في وصول المخدرات للمستهلكين، حتى لو لم يقم الجاني بتسليم المادة بنفسه.
  • الأدلة الظرفية القوية: أصبح القضاء يعتمد بشكل أكبر على الأدلة الظرفية التي تستدل على نية الترويج، مثل المحادثات النصية، الصور والمقاطع المرئية للمخدرات، أو المبالغ النقدية الكبيرة غير المبررة.

 

  1. التوسع القضائي في إثبات القصد الجنائي للترويج

شهد النظام القضائي السعودي (ممثلاً في محاكم الدرجة الأولى والاستئناف والمحكمة العليا) توسعاً ملحوظاً في تكييف الأفعال على أنها ترويج، حتى في غياب الإقرار الصريح أو الضبط أثناء عملية البيع المباشر. هذا التوسع يهدف إلى حماية المجتمع من آفة المخدرات، ويستند إلى مفهوم القرائن القاطعة التي تحل محل الإثبات المباشر.

 

4.أبرز صور التوسع (القرائن القاطعة)

أ. كمية المخدرات الكبيرة: حيازة كمية تتجاوز بكثير حد التعاطي الشخصي المعتاد، حتى لو لم يضبط وهو يبيع. يعتبر قرينة قاطعة على أن القصد هو الترويج أو الاتجار.

 

ب. التجزئة والتوزيع: ضبط المادة المخدرة مُقسمة إلى أكياس صغيرة أو لفافات معدة للبيع، حتى لو كانت الكمية الإجمالية متوسطة. يُنظر إليها كدليل على التجهيز للترويج.

 

ج. الأدوات المصاحبة: العثور على مبالغ مالية كبيرة غير متوافقة مع دخل المتهم، أو أجهزة اتصال متعددة (جوالات)، أو أدوات وزن وتغليف، أو أوراق مالية كبيرة مرتبطة بالصفقة،

 

د. ظروف الضبط والمكان: الضبط في أماكن معروفة بالترويج أو في ظروف تدل على السرية والحذر المفرط

 

هـ. أدلة رقمية قوية ( رسائل نصية، محادثات واتساب، مكالمات) تثبت التفاوض أو الاتفاق على البيع أو التسليم.

 

ملاحظة هامة: في قضايا الترويج، يتم الجمع بين هذه القرائن لبناء القصد الجنائي للمتهم. فوجود كمية كبيرة مع تقسيمها ومع وجود مبالغ مالية يدعم القصد الجنائي للترويج بقوة، ويصعب على المتهم تفنيده.

 

  1. 5. الآثار القانونية المترتبة على التوسع

هذا التوسع في تفسير القصد الجنائي له آثار مهمة على الإثبات والعقوبة:

  • تسهيل الإثبات: لم تعد النيابة العامة مطالبة بإثبات البيع الفعلي أو التسليم المادي للمخدرات في كل الأحوال. الأدلة الرقمية والظرفية (مثل محتوى الهاتف الجوال للجاني) أصبحت تُستخدم لإثبات القصد الجنائي.
  • توسيع دائرة التجريم: يشمل التجريم الآن أفراداً يقومون بأدوار ثانوية أو تكميلية في سلسلة الترويج، مثل المروجين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
  • التشديد في العقوبة: بمجرد إثبات القصد الجنائي للترويج، تُوقع على الجاني العقوبات المشددة الخاصة بجريمة الترويج، وهذا ما نصت عليه المادة 38 من نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، حيث ترتفع العقوبة إلى مستوياتها القصوى في حالات معينة، ومنها: إذا ارتكب الجاني الجريمة في المساجد أو المؤسسات التعليمية أو الإصلاحيات، إذا كان المروج من المكلفين بحفظ الأمن أو الرقابة على تداول المخدرات.

 

* وهنا يثور التساؤل حول ما إذا كان تجريم ترويج المخدرات قد اقتصر على نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، أم أن ثمة أنظمة أخرى تناولت هذه الجريمة. وبالرجوع إلى الأنظمة ذات الصلة، يتضح أن المنظم السعودي لم يحصر التجريم في إطار نظام واحد، بل وسَّع نطاقه ليشمل صورًا مستحدثة للترويج، ولا سيما تلك التي تتم عبر الوسائل التقنية الحديثة.

 

وفي هذا السياق، تناولت المادة السادسة (الفقرة الرابعة) من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية تجريم إنشاء أو نشر المواقع أو استخدام أجهزة الحاسب الآلي بقصد الاتجار بالمخدرات أو ترويجها أو تسهيل التعامل بها، وهو ما يعكس توجه المنظم إلى ملاحقة الأفعال التي تُسهم في انتشار الجريمة ولو لم تتخذ صورتها التقليدية.

 

ويترتب على هذا التوسع في نطاق التجريم أثرٌ مباشر على القصد الجنائي، إذ لم يعد القصد محصورًا في نية الترويج المادي المباشر، بل يكفي ثبوت علم الجاني بطبيعة المحتوى غير المشروع واتجاه إرادته إلى نشره أو إتاحته أو تسهيل الوصول إليه عبر الوسائل المعلوماتية، متى كان من شأن ذلك دعم أو تعزيز ترويج المخدرات. وبذلك يتسع مفهوم القصد الجنائي ليشمل الأفعال المساندة أو التكميلية التي تُسهم في تحقيق الغاية الإجرامية، بما ينسجم مع السياسة الجنائية الرامية إلى مكافحة هذه الجريمة في مختلف صورها.

 

خلاصة:

إن التوسع في القصد الجنائي للترويج في قضايا المخدرات يعكس استجابة القضاء للتطور الإجرامي. لقد تحول التركيز من الدليل المادي الصريح على البيع إلى استخلاص النية الجنائية من خلال أدلة رقمية وظرفية واسعة، مما يعزز قدرة الدولة على مكافحة هذه الجريمة ويضمن عدم إفلات المروجين الذين يتخفون خلف التكنولوجيا من العقاب.